ابن أبي الحديد
105
شرح نهج البلاغة
ثم اختلفوا في مدة بقاء كيومرث في الوجود ، فقال الأكثرون : ثلاثون سنة . وقال الأقلون : أربعون سنة . وقال قوم منهم : إن كيومرث مكث في الجنة التي في السماء ثلاثة آلاف سنة ، وهي ألف الحمل ، وألف الثور ، وألف الجوزاء . ثم أهبط إلى الأرض فكان بها آمنا مطمئنا ثلاثة آلاف سنة أخرى ، وهي ألف السرطان ، وألف الأسد ، وألف السنبلة . ثم مكث بعد ذلك ثلاثين أو أربعين سنة في حرب وخصام بينه وبين أهرمن حتى هلك ( 1 ) . واختلفوا في كيفية هلاكه مع اتفاقهم ، على أنه هلك قتلا ، فالأكثرون قالوا : إنه قتل ابنا لأهرمن يسمى خزوره ، فاستغاث أهرمن منه إلى يزدان ، فلم يجد بدا من أن يقاصه به حفظا للعهود التي بينه وبين أهرمن ، فقتله بابن أهرمن . وقال قوم : بل قتله أهرمن في صراع كان بينهما ، قهره فيه أهرمن ، وعلاه وأكله ( 1 ) . وذكروا في كيفية ذلك الصراع أن كيومرث كان هو القاهر لأهرمن في بادئ الحال ، وأنه ركبه ، وجعل يطوف به في العالم إلى أن سأله أهرمن عن أي الأشياء أخوف له وأهولها عنده ، فقال له : باب جهنم ، فلما بلغ به أهرمن إليها جمح به حتى سقط من فوقه ، ولم يستمسك ، فعلاه وسأله عن أي الجهات يبتدئ به في الاكل ، فقال : من جهة الرجل لأكون ناظرا إلى حسن العالم مدة ما ، فأبتدأه أهرمن فأكله من عند رأسه ، فبلغ إلى موضع الخصي وأوعية المنى من الصلب ، فقطر من كيومرث قطرتا نطفة على الأرض فنبت منهما ريباستان ( 2 ) في جبل بإصطخر يعرف بجبل دام داذ ، ثم ظهرت على تينك الريباستين الأعضاء البشرية في أول الشهر التاسع ، وتمت في آخره ، فتصور منهما بشران : ذكر وأنثى ، وهما " ميشى " ، " وميشانه " ، وهما بمنزلة آدم وحواء عند المليين . ويقال لهما أيضا : " ملهى " " وملهيانه " ، ويسميهما مجوس خوارزم : " مرد " و " مردانه " ،
--> ( 1 ) انظر الشاهنامه 14 . ( 2 ) الريباس ، بالكسر : نبت له عساليج غضه خضراء ، عراض الورق ، طعمها حامض مع قبض ، ينبت في الجبال ذات الثلوج والبلاد الباردة من غير زرع . المعتمد 123